Archive for اغسطس 11, 2009
منتجات للمقاطعة
كلما تعرض الإسلام لمحاولات إساءة قادمة من أي مكان على وجه البسيطة تطفو إلى السطح مجدداً نظرية المقاطعة!!ويعود الجدل العقيم الدائر حولها ليحتل من جديد ركناً بارزاً في مبارزاتنا الكلامية وقد نلنا بحمد الله وسام الفروسية الأول في ساحات الكلام تلك (وما أكثرها وما أقل جدواها!!)
بل إننا نصرف جهدنا فيها ويغدو هم كل طرف الانتصار لرأيه وننسى في خضم هذا المشكلة الأساسية التي كان من الواجب توجيه الجهد والفكر في سبيل حلها…
وترى الصدام يحتدم بين مؤيد يرى المقاطعة السلاح الأكبر تأثيراً والأمضى قوة والذي سنذل به تلك الأمم المعتدية الباغية ونكسر شوكتها ,وبين معارض يراها عملاً عديم الفائدة إن لم ينعكس بأثر سلبي علينا قبل غيرنا
وكيف لا ونحن نمثل الحلقة الأضعف بين الأمم حالياً..
ويبدو أننا تعودنا استخدام هذه الأسلحة من نوعية نقاطع,نندد,نشجب.نعترض,نحتج….إلى آخر ما تمدنا به لغتنا العصماء من مترادفات نتفنن في انتقائها لنرصع بها عباراتنا ويتفاخر كل منا على الآخر بسعة علمه استخدامه لغريب الكلمات…
ولست هنا بصدد مناقشة هذه النظرية أو التحيز لأحد طرفيها (ولكل منهما وجهة نظر مقنعة )
ولكني أرى أن المقاطعة تبقى بكل حال رد فعل سلبي لا يبني نهضة ولا يغير واقعاً إلا أننا لا نملك غيره في بعض الأحيان وقد نلجأ له كرد فعل عاطفي آني نفرغ به ثورة عواطفنا التي تمتاز أنها تبرد بسرعة أكبر من سرعة فورانها….
ومن هنا أدعوكم جميعاً لنحول نظرية المقاطعة تلك إلى حالة إيجابية فاعلة تنقلنا إلى موقف المبادر والفاعل الذي يملك زمام الأمور بيديه ويسيرها حسبما يريد
لكن لا تظنوا الأمر سهلاً!!!
فلست أدعوكم لمقاطعة أنواع من المشروبات أو الأجبان والشوكولا أو غيرها من السلع الرفاهية التكميلية,وإنما لمقاطعة منتجات محلية 100% برعنا في إنتاجها عبر سنوات طوال حتى كادت تكون ماركة مسجلة باسمنا في العالم كله……..
وعلى كثرتها وتنوعها لن يتسع المجال هنا لسردها كلها لكني سأذكر بعضاً منها على سبيل المثال:
أول المنتجات الواجب مقاطعتها مقاطعة نهائية لا رجعة فيها هي حالة الكسل والسلبية واللامبالاة التي غدت سمة مميزة لشريحة كبيرة من شبابنا الذين يقال عنهم دوماً أنهم أمل المستقبل والقوة البانية له,فأي نهضة تلك التي سيصنعها إنسان كسول لا يعبأ بشيء ولا يقيم وزناً لأي أمر .. يغريه البريق الزائف لسفاسف الأمور ويكسل حتى عن التفكير في كيفية استثمار صحيح لنعمة عظيمة منحها الله تعالى له وهي الطاقة الكبيرة التي تملؤ كيانه روحياً ومادياً..
منتج ثان لا يقل خطورة وهو الإهمال….
الإهمال في كل جوانب حياتنا فمن ذا الذي يتقن عمله؟؟؟ ومن ذا الذي يرى في ذلك باباً لطاعة وعبادة الله؟؟؟
وما انتشار العادات السيئة كالإدمان والتدخين وعدم الاهتمام بالعادات الصحية السليمة (حتى التغذوية منها) إلا باب من أبواب الإهمال الذي طال جوانب حياتنا كلها حتى بتنا ندمر نعمة من أعظم نعم الله علينا وهي الصحة…
منتج آخر أشرت له في بداية حديثي وهو التفوق البارز في ساحات الكلام والجدل العقيم الذي لا يعود علينا إلا بمزيد من الفرقة والتدابر ويشكل بحد ذاته مشكلة أخرى تضاف إلى هرم أزماتنا الذي يكبر يوماً بعد يوم!!!!!!!!
وهناك أيضاً التطرف…
لا تتسرعوا فلست أعني المعنى السياسي الشائع للكلمة لكني أشير إلى التعصب الأعمى للرأي ,فكل قضية قد يكون لها عدة وجوه ترى من خلالها وليس هناك غالباً حد قاطع بين الخطأ والصواب,وقد تعودنا التمسك بوجهة معينة وعدم قبول وجود أي رأي مخالف لنا وهذا معاكس أصلا للطبيعة التي خلقنا الله عليها..
لقد خلقنا مختلفين في الفكر والتوجه وما كان هذا إلا لمزيد من الغنى والتنوع والتكامل الذي يكفل للحياة سيرها الأفضل..
أما في مجال الأدوية فقد برعنا بحمد الله في اختراع عقاقير متعددة نريح بها ضمائرنا ونشفيها من داء الوخز المؤلم الذي ينتابها بين الحين والآخر
أول هذه المنتجات نظرية المؤامرة التي نحيل إليها كل أمر وتزيح بها عن كاهلنا مسؤولية أي سوء يصيبنا كأمة
كل خطأ نقع فيه حصل لأن أعداءنا تآمروا علينا….
وحتى لا ندخل كالعادة في ساحات الجدال دعونا نقول ببساطة إن من الطبيعي أن أعداءنا يبحثون عن مصالحهم ولن يريدوا لنا الخير يوماً (والأحمق من يعتقد غير ذلك) ولكن ماذا عنا؟؟؟؟؟؟؟؟ أليس لنا عقول نفكر بها؟؟؟لماذا ننساق وراء مآزق يصنعونها لنا؟؟؟ألم يئن الوقت بعد لندير دفة أمورنا بأنفسنا؟؟؟؟
عقار آخر لإراحة الضمير (إن كان لا يزال حياً) وهو خداع النفس الذي لن يقودنا إدمانه إلى خير أبداً,فقد صرنا نسمي الأمور بغير مسمياتها…
سمينا الغش شطارة…..والرشوة هدية ……والتحرر من الالتزام بالدين حضارة………..
وما إلى ذلك من أمور نعرفها كلنا………..
أما آخر ما سأذكره في هذا العرض السريع فهو التناقض مع الذات أي نقول غير ما نفعل….
نعلم الحق والصواب ونتكلم عنه وندعيه ولا نطبقه…
هل هذا من باب النفاق والرياء؟؟؟أم بسبب ضعف النفس واتباع الهوى؟؟؟؟
أياً كان السبب فلن تنهض أمة أفرادها في عدم اتساق مع ذواتهم أصلاً…
وكيف ننجح في ميادين الجهاد المتعددة في هذه الحياة إن كنا عن جهاد أنفسنا عاجزين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فهلا وقفة جدية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هلا مقاطعة لكل هذه المنتجات وأمثالها مقاطعة لا عودة فيها؟؟؟؟؟؟
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
غذاء لا بد منه
ويشرق نور الإيمان ويتجلى على العقل بشعاع الهدى وتغرس حقائق العلم فيه بذرًا سليماً صالحاً فيتكون من ذلك كله نور يضيء للإنسان طريقه ويبصره بمسالك الخير والشر في حياته ودنياه.
لكن هذا الشتل الإيماني الغض لا بد من تعهده بالغذاء والسقيا لينمو ويغدو شجرة طيبة راسخة قوية الجذور مباركة الثمار لا تستطيع اجتثاثها العواصف مهما بلغت شدتها..
ولكن كيف السبيل إلى تمتين اليقين المغروس في تربة العقل وتحويله من نور إلى وقود للعمل؟ من طاقة كاشفة إلى طاقة محركة تقود سلوك الإنسان إلى الخير والفلاح؟؟
ذلك أن الإيمان الفكري المحض واحد من المشاكل الكبيرة التي نراها في مجتمعنا لذا لا بد لنا أن نفهم بداية أن القوة الموجهة لحركتنا في هذه الحياة إنما تنبع من القلب ..من العاطفة..وليس من مجرد العلم مهما سمت درجته
فلكي نتمكن من ضبط توجهنا وسلوكنا لا بد من تغذية الإيمان العقلي ودعمه بتوجيه مشاعر القلب (حباً وخوفاً وتعظيماً) باتجاه واحد لا شريك له هو الله عز وجل..
عندها فقط سيقوى هذا الإيمان ويتحول إلى قول يصدقه العمل ويزول التناقض الذي كثيراً ما نلمسه بين قناعات الفكر وتطبيقات السلوك والجوارح.
إن الشهوات والأهواء كثيرة ومكمنها أساساً القلب لا العقل فإن ترك لها القياد ستملك على الإنسان عواطفه وتسيره وفق نهجها تطيح الرعونات بالتالي رويداً رويداً بذلك الإيمان العقلي الذي لم تغذه عواطف القلب .
فالإيمان الحق إذاً هو إدراك وقناعة تستقر أولاً في العقل ثم يقوى ويدعم بمشاعر قلبية من الحب والتعظيم لله.
فكيف السبيل لطرد جيوش الرغائب الدنيوية من قلوبنا وتطهيرها من كل ما يعكر صفوها ويفسدها؟؟
لعل من الخطوات الهامة في هذا الدرب:
1-ربط النعم بالمنعم وفهم أن كل ما بنا نعمة منه سبحانه ينبغي علينا شكرها ,ليس بألفاظ يتفنن في ترديدها اللسان وإنما بأعظم شكر وهو استشعار ذلك بالقلب ومن ثم استثمار النعمة بأفضل طريق يرضي الله وبهذا تكون النعمة سبيلاً إلى مزيد من طاعته لا حجاباً ينسينا إياه سبحانه
2- تذكر محبة الله لعباده وأن نعمه إنما هي رسائل حبه سبحانه لنا..
تذكر معيته ورقابته..
تذكر عنايته وحفظه ولطفه..
3-الغوص في معاني أسمائه الحسنى ففيها كنوز روحانية تذيب قسوة القلب وتضيء له كل ظلمة
4-عبادة التفكر ..
في معنى الحياة والموت..
في الكون وما يحويه من أعاجيب ومعجزات…
فهلا بدأنا معاً رحلة تزكية القلب والنفس مدفوعين بحب الله الرغبة في إرضائه وطاعته آملين أن يجعل خير أيامنا يوم لقائه…………….
أحدث التعليقات